الصقار الاول
الأثنين, يناير 28th, 2008|
نكب العالم بفقد واحد من أعظم حماة البيئة في هذا القرن ، صاحب بصيرة نافذة ورؤية ثاقبة لن تستشرف أبعادها الحركات الداعية للمحافظة على الطبيعة إلا بعد فترة طويلة . ويعد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة ورئيسها الراحل الرائد الأول للصقارين وحماة البيئة في العالم ، لقد ولد زايد وعاش نصيرآ للطبيعة ، وقد كان اشتهار مبادئه وذيوع صيته في هذا المجال ، إيذانا ببداية عصر جديد. وبالرغم من ولادته في بيئة صحراوية قاسية فقيرة من شبه الجزيرة العربية ، حيث يستعين البدو على معيشتهم بالصيد ، إلا أن زايدأ ومنذ مقبل أيامة وحداثة سنه ، استشرف الحاجة إلى إحداث توازن بين الحفاظ على التراث العريق للصقارة والصيد بالصقور، وبين التأكد من بقاء الصقور وطرائدها في البرية على المدى البعيد. وقد توصلت رؤيته المتفردة إلي ما عرفه حماة الطبيعة المعاصرين لاحقأ بالصيد المستدام ، وبذلك فإن الشيخ زايد لم يسبق جيله فقط ، لكنه تفوق بمراحل بعيدة على دعاة حماية الطبيعة العالميين . وبمنتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، أصبح الشيخ زايد صاحب اليد الطولى في المحافظة على الطبيعة من منطلق رؤية شاملة تهدف لبناء المجتمعات الصديقة للبيئة والمحافظة على التنوع البيولوجي. وعلى المستوى الاجتماعي جسد زايد بلا منازع الصورة المثالية للصقار العربي ، وذلك لصدق حدسه ومعرفته الواسعة بالطبيعة ، مما مكنه من الفوز بإعجاب أفراد مجتمعه وحبهم . كما أدخل زايد جانبا إنسانيا في مفاهيم رياضة الصيد بالصقور التي اعتبرها تراثا لا يقدر بثمن . وبمواصلة شغفه بالصقارة ، نمت مهارات الشيخ زايد الفائقة والمنقطعة النظير، كما وصفها بذلك المستكشف البريطاني السير/ ولفيريد ذيسجير الذي شاركه الصيد قبل خمسين عامأ. وقد مثل زايد لدعاة حماية الطبيعة قيمأ خالدة من منطلق قناعاته وتجاربه . لقد أحب الطبيعة والحياة البرية على نحو غير مسبوق ، عبر عنه الصحافي البريطاني المشهور باتريك سيل الذي قابله في عام 1965م في مدينة العين حينما كان حاكما لها، فقال : ( ان الشيخ زايد يعرف كل حجر وكل شجرة وكل طائر يصل إلى منطقته . وفوق كل ذلك ، فهو يدرك أهمية المحافظة على كل نقطة ماء ويحسن استثمارها، وهو شفوف بزراعة الأمثجار. وفيما يتعلق بوسطه الاجتماعي، فإنه لا ينظرللصقارة كرياضة فردية مجردة ، وانما يعتبرها فرصة للرفقة والأنس. وعلى غير ما جرت عليه العادة في بلدان العالم الأخرى، فإن الصقارة العربية ممارسة اجتماعية . ولمهارته في الصقارة على طريقته الخاصة ، أصبح قريبا من قلوب مواطنيه وعقولهم . لقد كانت صلة المودة التي ربطته بشعبه إحدى أسباب تلك المحبة والشهرة التي لم يحظ بها قائد آخر في المنطقة بأسرها). الأمر الفريد والمدهش في الشيخ زايد - الرجل والمناصر للطبيعة - أنه ذو مقدرة فائقة على المحافظة على قيمه ومعتقداته . بعد أن أصبح رئيسأ للدولة التي تتكون من الإمارات العربية المتحدة السبع - والتي تأسست في عام 1971 بعد الانسحاب البريطاني من الخليج العربي- فإنه لم يركن إلى بريق الحياة الحديثة ولم ينحن تحت وطأة المسؤوليات الجسيمة التي ألقيت على عاتقه . وقد كان ظهور الاتحاد علامة على عصر جديد ، تمكن فيه الشيخ زايد من توسيع نطاق اهتمامه بالطبيعة والبيئة على المستوى الوطني والتشريعي بإقامة المؤسسات البيئية المختصة ، ومستشفيات الصقور، ونادي صقاري الإمارات ، وبرنامج زايد لإطلاق الصقور، ومراكز إكثار الحبارى في أبوظبي والمغرب . وقبل الاتحاد كان زايد - رحمه الله - قد شحذ رؤاه المتقدمة حو ل المحافظة على الطبيعة منذ أوائل الستينات . وعلى سبيل المثال ، فقد أعد في الوقت المناسب تمامأ لعملية تم فيها أسر زوجين من المها العربي لتكون تلك الحيوانات نواة لإنشاء قطيع محمي ومتكاثر في الأسر من هذا النوع المنقرض من البرية . والآن وبعد 40 عامأ من ذلك التاريخ وصل العدد إلى ما يزيد على 4000 من المها العربية في مناطق محمية من دولة الإمارات العربية المتحدة ، وتوجد العديد من تلك الحيوانات في المحمية الطبيعية التي أقامها الشيخ زايد في جزيرة صير بني ياس ، والتي تضم إلى جانب المها العربي المئات من الأنواع الأخرى المهددة بالانقراض مثل الغزلان العربية والمها معقوفة القرون . وفي عام 1966م ، حينما أصبح زايد حاكمأ لإمارة أبوظبي التي بدأت نهضتها السريعة كمنتج للنفط ، أنشأ زايد هيئة للرفق بالحيوان ضمت مجموعة من الجوالين الذين تولوا حراسة الصحراء 0للاشراف على تطبيق الحظر المفروض على صيد الحيوانات البرية . وقد استفادت الغزلان العربية والطيور والأرانب وغيرها من الحيوانات البرية من ذلك بصورة مباشرة . واستمرت جهود زايد في مجال الصقارة ، والمحافظة على الطبيعة ، دون تعارض ، ليس فقط بفضل جهوده ومشاريعه وتوجيهاته المباشرة ، وانما أيضأ بكونه مصدر إلهام ورعاية لمبادرات عديدة آتت أكلها وساهمت بقدر كبير من العطاء على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية ومن أهم مبادراته في هذا المجال تنظيم المؤتمر العالمي الأول للصقارة والمحافظة على الطبيعة في مدينة أبوظبي في أواخر عام 1976م والذي جمع للمرة الأولى بين صقاري الخليج ونظرائهم في أمريكا الشمالية وأوروبا والشرق الأقصى. وقد كان المؤتمر منطلقا حقيقيأ للاستراتيجية التي وضعها الشيخ زايد بهدف حشد الصقارين ليكونوا في طليعة الناشطين أصحاب المصلحة الحقيقية للمحافظة على الطبيعة . وشهدت الجزيرة العربية في ذلك الوقت ظهور الصقور المنتجة في الأسر في أمريكا وأوروبا ليبدأ نهج جديد سلكه معظم صقاري الإمارات اليوم باختيارهم للصقور المنتجة في الأسر وتفضيلها على استخدام الصقور البرية ، الأمر الذي يقلل من تأثير ضغوط رياضة الصيد بالصقور على المجموعات البرية . مشاريع بيئية رائدة وفي مستهل الثمانينات ، قام الشيخ زايد بإنشاء مستشفى الصقوربالخزنة خارج مدينة أبوظبي، ثم تم فيما بعد إنشاء مستشفى أبوظبي للصقورفي عام 1999م ، الذي يعمل تحت مظلة هيئة البيئة ـ أبوظبي ، وفي مجال حماية الأنواع كان الشيخ زايد أول من أدرك المخاطر التي تواجه أنواع الطيور والحيوانات ، فقام بإنشاء عدة مشروعات لحماية الأنواع . وبتوجيهات من الشيخ زايد، بدأ برنامج إكثارالحبارى الآسيوية في الأسرفي حديقة حيوان العين بدولة الإمارات العربية المتحدة في عام 1977م حيث أعلن في عام 1982م عن تفقيس أول فرخ في الأسر في دولة الإمارات . وفي عام 1989م بدأ المركز الوطني لبحوث لطيور، الذي أصبح فيما بعد جزءأ من هيئة البيئة - أبوظبي، برنامجه الطموح لإكثار الحبارى الآسيوية والذي تطور من بداية متواضعة حتى وصل إلى إنتاج 200طائرفي عام 2004م ، وهويسيرباتجاه الهدف بعيد المدى الذي حدده الشيخ زايد بإنتاج 10000 طائر حبارى آسيوي سنويأ واطلاق معظمها لزيادة أعداد المجموعات البرية . وفي المملكة المغربية ، أنشأ الشيخ زايد في عام 1995م مركزالإمارات لتنمية الحياة الفطرية لإكثارالحبارى واطلاقها في البرية . وقد أثمر النجاح المتزايد من عام إلى آخرعن تفريخ 2150 طائرفي عام 2004م كجزء من استراتيجية لإنتاج 5000 طائر سنويأ بحلول عام 2007م . وفي باكستان دعم الشيخ زايد إنشاء الهيئة العالمية للحبارى. وقد ساعد ذلك على توثيق العلاقات مع الحكومة الباكستانية لمكافحة الصيد غير المشروع لطيور الحبارى واعادة تأهيل الطيور المصادرة لإطلاقها في البرية . وبحلول عام 1995م عمل الشيخ زايد على التحول من استخدام الصقور البرية إلى الصقور المكاثرة في الأسر، وبحلول عام 2002م أصبح صقارو الإمارات يعتمدون بنسبة 90% على الصقور المكاثرة في الأسر، مما جعل الإمارات البلد المربي الأول الذي أصبح يعتمد على استخدام الصقور التى يتم إكثارها فى الأسر فى رياضة الصيد بالصقور. وتجدر الإشارة إلى أن المركز الوطني لبحوث الطيور قد أقام مشروعآ لإنتاج الصقور في الأسر من أجل تخفيف الضفوط عن الصقور البرية . واحياء لتقليد عربي اندثر، أرسى زايد تقليد إعادة إطلاق العديد من صقوره إلى البرية في نهاية موسم الصيد. بدأ برنامج زايد لإطلاق الصقورفي عام 1995م وبحلول عام 2004م وصل مجموع الصقورالتي تم إطلاقها إلى ما يقارب الألف من صقور الحر والشاهين التي نجحت في العودة إلى حياتها البرية الطبيعية بعد إطلاقها على مسار هجراتها الأصلية في باكستان وأواسط آسيا. وشجع زايد بصورة فعالة الصقارين على الاستثمار الأمثل للطيور المنتجة في الأسر واعتمد ـ رحمه الله ـ نظامآ مشددآ للترخيص باستخدام الطيور البرية في دولة الإمارات العربية المتحدة . ورافق ذلك إصدار (جواز سفر الصقر) الذي تم اعتماده بوساطة اتفاقية التجارة الدولية في الأنواع المهددة بالانقراض (سايتس). مما كان له الأثر البالغ في التقليل من أنشطة الصيد غيرالمشروع في الأقطار المجاورة . وكما يتضح من الجهود الضخمة للشيخ زايد على مدار سنوات طويلة ، فإن الإنصاف وحده يحتم بأن نجزم بأنها قصة نجاح ليس لها ما يضاهيها في أي مكان من العالم . ويتضح ذلك بالتقدير العالمي الكبير الذي لقيته هذه المساعي والذي تجسد في العديد من الجواثز والشهادات التقديرية وخاصة جائزة رجل البينة والتنمية في عام 1993م ، والجائزة التقديرية والميدالية الذهبية لمنظمة الزراعة والأغذية العالمية (الفاو) في عام 1995م ، وشهادة الباندا الذهبية من الصندوق العالمي لصون الطبيعة في عام 1997 م ، والجائزة الفرنسية العليا لمكافحة التصحر في عام 1998م ، وكرسي اليونسكو العربي وغيرها من الشهادات والجوائز الأخرى. وقد نال المففور له باذن الله الشيخ زايد جميع هذه الأوسمة تقديرأ لجهوده وانجازاته التاريخية التي ستترك بصمات خالدة لأجيال عديدة قادمة. عاش زايد ورحل وقيم المحافظة على الطبيعة ملء قلبه وجنانه . وقد عبر عن ذلك بلسانه قائلأ (إن المحافظة على الطبيعة التزام وواجب مقدس . يجب علينا ألا نخل بالتوازن الحيوي لأن بقاءنا يعتمد عليه . ويجب أن نلعب دورآ إيجابيأ في ترك هذه الأرض مكانآ أخضر لأجيالنا القادمة ). في حياة زايد وحتى بعد وفاته ، حباه الله بتقدير وثناء العالم لعبقرية قيادته وعظم إنجازاته في بناء مجتمع متطور ومتجانس ومتسامح في دولة الإمارات العربية المتحدة . أما الصقارون في مختلف أنحاء العالم فهم أيضآ سيكونون متمسكين بالحب والوفاء له ولعطائه الكبير لهذه الرياضة التي ارتقى بها إلى فن تراثي أصيل ، أحبه وأتقنه وتفرد فيه ، وأضفى عليه الكثير من أياديه البيضاء وروحه المحبة للطبيعة والحياة البرية. القنص والشعر تتسم شخصية الشيخ زايد بالبداوة الأصيلة التي ورثها، وبحكمة وفصاحة رجل الدولة المتمرس ، وللحياة البرية أثرها الواضح في صقل شخصيته وطباعه المتميزة بكونه فارسأ مهيبأ وقناصأ ماهرأ ومرتادأ للجمال . ومن أحب هواياته القنص والصيد بالصقور، ومن باب اهتمامه بالصيد بالصقور أصدر كتابا عن هذه الرياضة (رياضة الصيد بالصقور) باللغتين العربية والإنجليزية حظي باهتمام واسع في الأوساط العلمية . وقد أكد في كثيرمن المناسبات على أهمية المحافظة على التقاليد العربية الأصيلة ومنها رياضة الصيد بالصقور. ولم يدخرزايد أية فرصة لمضاعفة مسيرة الإنماء والتنمية لبناء الدولة ، وفي أقل من ثلاثة عقود تمكن من تحقيق حلم البناء الكبير، بناء دولة التقدم والتطور والرفاهية والأحلام الطموحة التي رسمها بأفكاره الفريدة وأنجزها بتسخير جميع الإمكانات اللازمة . فاهتم الشيخ زايد بالزراعة بشكل ملفت للنظر فانتشرت في جميع الأرجاء وغزت الصحاري القاحلة ، وأنفق مبالغ طائلة على عملية تشجيرإمارة أبو ظبي، وتتابعت العملية بعد قيام الاتحاد إلى سائر إمارات البلاد ليصل عدد أشجار النخيل المزروعة في الدولة وحدها إلى نحو 46 مليون شجرة خلال العقود الثلاثة الماضية ، فقد حلم زايد منذ القدم بتحويل الصحراء إلى واحة خضراء تقلل من قسوة المناخ فكان له ما أراد بفضل عمله الدؤوب ورؤيته البعيدة . والشيخ زايد شاعر بارز من شعراء النبط وهو الشعر التقليدي في شبه الجزيرة العربية وصدرت له عدة دواوين ، وكان ـ رحمه الله ـ يحرص على تشجيع إحياء التراث والعادات والتقاليد في الوقت الذي يدير فيه بهمة غير عادية عجلة التحديث والتطوير والمعاصرة. |
||||